ليست أبل ولا سامسونغ.. من صنع أول هاتف ذكي بشاشة لمس في التاريخ؟
عندما نتحدث اليوم عن الهواتف الذكية وشاشات اللمس، غالبًا ما تتجه أفكارنا مباشرة إلى أبل وسامسونغ.
فهواتف iPhone وGalaxy أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمليارات المستخدمين، وتحولت الشاشة اللمسية إلى الطريقة الطبيعية التي نتعامل بها مع الهاتف: نكتب الرسائل بأصابعنا، ونلتقط الصور، ونتصفح الإنترنت، ونفتح التطبيقات، وندفع ثمن مشترياتنا، ونتواصل مع العالم من شاشة صغيرة نحملها في جيوبنا.
بحكم عملي في مجال الحاسب والدعم الفني لسنوات طويلة، عايشت انتقال الأجهزة من أدوات محدودة الوظائف إلى منصات متكاملة للعمل والتواصل. وأكثر ما يلفتني في قصة IBM Simon أن كثيرًا من أفكار الهاتف الحديث كانت موجودة مبكرًا، لكن نجاح الابتكار لا يعتمد على الفكرة وحدها؛ بل يحتاج أيضًا إلى بطارية مناسبة وشبكات أسرع وتجربة استخدام يفهمها الجمهور.
لكن المفاجأة أن قصة الهاتف الذكي بشاشة اللمس بدأت قبل ظهور iPhone بسنوات طويلة، وقبل أن تصبح سامسونغ واحدة من أبرز الشركات في سوق الهواتف الذكية.
فمن صنع أول هاتف ذكي بشاشة لمس في التاريخ؟
الإجابة تعيدنا إلى أوائل التسعينيات، وإلى شركة اشتهرت بالحواسيب أكثر من الهواتف:
IBM.
والجهاز الذي غيّر الكثير من المفاهيم كان يحمل اسم:
IBM Simon Personal Communicator.
فما قصة هذا الهاتف الغريب؟ وماذا كان يستطيع أن يفعل قبل أكثر من ثلاثة عقود؟ ولماذا لم يحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا رغم أنه سبق عصره؟
لنعد إلى البداية.
قبل الهواتف الذكية.. كيف كانت الهواتف المحمولة؟
لفهم أهمية IBM Simon يجب أن نتذكر شكل الهواتف المحمولة في بداية التسعينيات.
لم يكن الهاتف آنذاك جهازًا ترفيهيًا متكاملًا كما نعرفه اليوم.
كانت الوظيفة الأساسية واضحة:
إجراء واستقبال المكالمات.
وكانت الهواتف كبيرة نسبيًا، تحتوي على أزرار فعلية، وشاشاتها محدودة للغاية مقارنة بشاشات اليوم.
وفي الوقت نفسه بدأت أجهزة أخرى تعرف باسم المساعدات الرقمية الشخصية أو PDA في الانتشار.
كانت هذه الأجهزة تساعد المستخدم في تنظيم المواعيد وحفظ جهات الاتصال وكتابة الملاحظات وبعض الأعمال المكتبية البسيطة.
وهنا ظهرت فكرة سبقت زمنها:
ماذا لو جمعنا الهاتف المحمول والكمبيوتر الشخصي الصغير في جهاز واحد؟
قد يبدو السؤال طبيعيًا اليوم، لكنه في بداية التسعينيات كان فكرة ثورية.
وهذا بالضبط ما حاولت IBM تنفيذه.
ظهور IBM Simon.. الجهاز الذي سبق عصره
عمل فريق في IBM على تطوير جهاز يجمع إمكانات الاتصال الخلوي بوظائف الحوسبة الشخصية.
وظهرت الفكرة للعامة في بداية التسعينيات، قبل طرح الجهاز تجاريًا لاحقًا.
لم يكن Simon مجرد هاتف يحتوي على بعض الوظائف الإضافية.
الفكرة الأساسية كانت أقرب كثيرًا إلى مفهوم الهاتف الذكي الذي نعرفه اليوم:
جهاز واحد للاتصال وتنظيم الحياة والتعامل مع المعلومات.
وفي أغسطس 1994 وصل IBM Simon إلى السوق الأمريكية من خلال BellSouth.
كان ذلك قبل ظهور أول iPhone بنحو 13 عامًا.
وهنا تكمن أهمية الجهاز تاريخيًا.
ما الذي جعل IBM Simon هاتفًا ذكيًا؟
قد يسأل البعض:
لماذا يوصف Simon بأنه أول هاتف ذكي بينما كانت هناك هواتف محمولة قبله؟
الجواب في الوظائف التي جمعها داخل جهاز واحد.
لم يكن Simon مجرد هاتف لإجراء المكالمات.
كان يجمع بين الهاتف المحمول والمساعد الرقمي الشخصي، وقدم وظائف كانت متقدمة جدًا في ذلك الوقت.
كان بإمكان المستخدم استخدام:
- دفتر العناوين وجهات الاتصال.
- التقويم.
- الساعة.
- الآلة الحاسبة.
- البريد الإلكتروني.
- دفتر الملاحظات.
- لوحة للرسم والكتابة.
- إرسال واستقبال الفاكس.
- وإمكانات اتصال وتنظيم أخرى.
أي أن الفكرة الأساسية للهاتف الحديث كانت موجودة بصورة أولية:
الاتصال + التطبيقات + إدارة المعلومات + واجهة لمس.
وبمعايير أوائل التسعينيات، كان ذلك إنجازًا تقنيًا لافتًا.
والأهم.. كانت لديه شاشة لمس
هذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل Simon مهمًا في تاريخ الهواتف.
في عصر كانت الأزرار الفعلية هي الطريقة المعتادة للتحكم بالهاتف، قدم Simon شاشة يمكن للمستخدم التفاعل معها باللمس.
وكان الجهاز يأتي بقلم إلكتروني Stylus يساعد على التعامل مع الشاشة واختيار الوظائف والكتابة.
لم تكن التجربة بالطبع مشابهة لشاشات اللمس المتعدد الحديثة.
فلا تتوقع سلاسة تمرير الصور أو تكبيرها بإصبعين كما نفعل اليوم.
لكن الفكرة الأساسية كانت موجودة:
بدل الاعتماد الكامل على لوحة أزرار تقليدية، أصبحت الشاشة نفسها واجهة للتفاعل مع الهاتف.
وهذه خطوة كبيرة في رحلة تطور الأجهزة المحمولة.
هل كان Simon أول هاتف ذكي فعلًا؟
هنا توجد نقطة تاريخية مهمة.
مصطلح Smartphone لم يكن مستخدمًا في السوق بالطريقة نفسها التي نستخدمه بها اليوم عندما ظهر Simon.
لكن مؤسسات ومتاحف تقنية بارزة تصفه لاحقًا بأنه أول هاتف ذكي أو أحد أهم الأجهزة التي أسست لفكرة الهاتف الذكي.
والسبب مفهوم.
فالجهاز جمع في منتج واحد وظائف الهاتف والمساعد الشخصي والاتصالات الرقمية، واستخدم شاشة لمس بدل الاعتماد على الأزرار التقليدية وحدها.
لذلك، عندما يُطرح سؤال:
ما أول هاتف ذكي تجاري بشاشة لمس؟
يبرز IBM Simon Personal Communicator باعتباره الإجابة التاريخية الأشهر والأكثر توثيقًا.
كيف كان شكل أول هاتف ذكي؟
إذا وضعت IBM Simon بجانب هاتف حديث، فقد يكون من الصعب تصديق أنهما ينتميان إلى الفئة نفسها.
كان الجهاز ضخمًا.
تصميمه مستطيل وسميك، ويبدو أقرب إلى جهاز اتصالات محمول كبير منه إلى الهاتف الرشيق الموجود في جيبك اليوم.
وتشير بيانات متحف سميثسونيان إلى أن الجهاز كان بطول يزيد قليلًا على 22 سنتيمترًا.
أما وزنه فكان يقارب نصف كيلوغرام.
تخيل حمل هاتف يزن قرابة 500 غرام طوال اليوم!
اليوم تتنافس الشركات على تقليل سماكة أجهزتها ووزنها، لكن في التسعينيات كان مجرد دمج كل تلك التقنيات في جهاز محمول إنجازًا بحد ذاته.
كم كان سعر IBM Simon؟
التقنيات الجديدة عادة لا تكون رخيصة في بداياتها.
وكان Simon مثالًا واضحًا.
بيع الجهاز عند طرحه بسعر يقارب 899 دولارًا مع عقد خدمة وفق المصادر التاريخية، وهو مبلغ مرتفع جدًا بمقاييس ذلك الوقت.
وهذا جعل امتلاكه بعيدًا عن شريحة كبيرة من المستخدمين.
فالمستهلك كان أمام جهاز ضخم ومكلف وتقنية جديدة لم يعتد عليها بعد.
ومع ذلك، فإن النظر إليه اليوم يجعل السعر جزءًا صغيرًا من القصة مقارنة بأهميته التاريخية.
البطارية.. مشكلة كبيرة أمام هاتف المستقبل
إذا كنت تشتكي اليوم من انتهاء بطارية هاتفك قبل نهاية اليوم، فتخيل استخدام Simon في التسعينيات.
من أبرز نقاط ضعفه محدودية عمر البطارية.
وتشير سجلات متحف تاريخ الحاسوب إلى أن مدة التحدث كانت أقل من نصف ساعة.
قد يبدو ذلك غير عملي تمامًا بمعايير اليوم، لكنه يوضح حجم التحديات الهندسية التي واجهت الشركات في ذلك العصر.
الجهاز كان يحاول تشغيل هاتف خلوي وشاشة لمس ووظائف حاسوبية داخل هيكل محمول باستخدام تقنيات البطاريات المتاحة في بداية التسعينيات.
الفكرة كانت متقدمة.
لكن البنية التقنية المحيطة بها لم تكن قد نضجت بعد.
لماذا لم يحقق IBM Simon نجاحًا كبيرًا؟
إذا كان الجهاز ثوريًا إلى هذه الدرجة، فلماذا لم يصبح منتشرًا عالميًا؟
هناك عدة أسباب.
أولها السعر المرتفع.
وثانيها الحجم والوزن.
وثالثها البطارية المحدودة.
كما أن شبكات الاتصالات والإنترنت المحمول في ذلك الوقت لم تكن قريبة من الإمكانات التي نمتلكها اليوم.
حتى ثقافة التطبيقات التي أصبحت قلب الهاتف الذكي الحديث لم تكن موجودة بالشكل الحالي.
يمكن القول إن Simon وصل إلى السوق بفكرة مستقبلية، لكن العالم المحيط به لم يكن جاهزًا بالكامل لها.
وهذه ظاهرة تتكرر كثيرًا في تاريخ التقنية.
ليس كل اختراع سابق لعصره يتحول إلى نجاح تجاري.
أحيانًا تظهر الفكرة الصحيحة في الوقت الخطأ.
أين كانت نوكيا وموتورولا؟
خلال التسعينيات كانت أسماء مثل Motorola وNokia من أبرز الأسماء في صناعة الهواتف المحمولة.
ثم ظهرت أجهزة أكثر تطورًا، ومن أبرزها سلسلة Nokia Communicator التي جمعت الهاتف بوظائف حاسوبية واتصالات متقدمة.
وساهمت شركات كثيرة لاحقًا في بناء مفهوم الهاتف الذكي تدريجيًا.
ظهرت أجهزة البريد الإلكتروني.
وتطورت أنظمة التشغيل المحمولة.
وأصبح تصفح الإنترنت ممكنًا.
ثم تطورت الشاشات.
وصغرت المكونات.
وتحسنت البطاريات.
وازدادت سرعة الشبكات.
لم يحدث الهاتف الذكي الحديث نتيجة اختراع واحد فقط.
بل كان نتيجة سلسلة طويلة من الابتكارات، وكان Simon محطة مبكرة ومهمة جدًا فيها.
ومتى دخلت أبل القصة؟
القفزة الكبيرة التي يتذكرها معظم الناس حدثت في يناير 2007 عندما قدم ستيف جوبز جهاز iPhone.
وهنا يجب التفريق بين أمرين:
أبل لم تخترع أول هاتف ذكي، ولم تصنع أول هاتف بشاشة لمس.
لكنها لعبت دورًا بالغ الأهمية في إعادة تعريف تجربة الهاتف الذكي الحديثة.
كان أحد الاختلافات الكبيرة هو طريقة التفاعل مع الشاشة.
بدل الاعتماد على قلم Stylus في الاستخدام الأساسي، صُممت تجربة iPhone حول الأصابع وشاشة اللمس المتعدد.
وبمرور الوقت ساهم متجر التطبيقات وتطور نظام iOS في تحويل الهاتف إلى منصة حوسبة متكاملة.
إذن إنجاز أبل لم يكن أنها بدأت القصة، بل أنها كانت من الشركات التي غيرت مسار القصة بصورة هائلة.
وماذا عن سامسونغ؟
سامسونغ بدورها أصبحت لاحقًا من أكبر القوى في سوق الهواتف الذكية، خصوصًا مع انتشار أجهزة Galaxy واعتماد نظام Android.
وقد ساهمت الشركة في تطوير الشاشات والكاميرات والأجهزة القابلة للطي وغيرها من التقنيات.
لكن ظهورها كقوة رئيسية في عصر الهواتف الذكية جاء بعد البدايات التي صنعها رواد سابقون.
ولهذا فإن تاريخ التقنية أكثر تعقيدًا من ربط اختراع كامل بشركة واحدة.
هناك من يبتكر الفكرة.
وهناك من يطورها.
وهناك من يجعلها ناجحة تجاريًا.
وهناك من ينقلها إلى مئات الملايين من المستخدمين.
من Simon إلى الهاتف الموجود في جيبك
قارن الآن بين IBM Simon وهاتف حديث.
Simon قدم:
شاشة لمس، بريدًا إلكترونيًا، تقويمًا، دفتر عناوين، ملاحظات واتصالات.
أما هاتف اليوم فيقدم إضافة إلى ذلك:
كاميرات عالية الدقة، GPS، شبكات 5G، تطبيقات مصرفية، ألعاب متقدمة، مكالمات فيديو، ذكاء اصطناعي، ترجمة فورية، شبكات اجتماعية، خدمات سحابية، دفع إلكتروني ومئات الآلاف من التطبيقات والخدمات.
لكن المبدأ الأساسي لا يزال متشابهًا بصورة مثيرة:
جهاز محمول واحد يجمع الاتصال والحوسبة وتنظيم الحياة.
وهذه هي الرؤية التي كان Simon يحاول تحقيقها قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
5 حقائق سريعة عن IBM Simon
1. ظهر قبل iPhone بسنوات طويلة
طرح Simon تجاريًا عام 1994، بينما ظهر أول iPhone في 2007.
2. كان بشاشة لمس
استخدم المستخدم الشاشة وقلم Stylus للتعامل مع وظائف الجهاز.
3. جمع الهاتف والمساعد الشخصي
وهذا أحد الأسباب الرئيسية لاعتباره أول هاتف ذكي.
4. كان ضخمًا مقارنة بهواتف اليوم
وزنه كان يقارب نصف كيلوغرام.
5. لم يحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا
لكن فشله التجاري لم يمنعه من الحصول على مكان مهم في تاريخ التقنية.
هل فشل Simon فعلًا؟
تجاريًا، لم يتحول Simon إلى منتج جماهيري يستمر سنوات ويحقق الانتشار الذي حققته الهواتف الذكية لاحقًا.
لكن تقنيًا يمكن النظر إليه بطريقة مختلفة.
لقد أثبت أن الهاتف يمكن أن يكون أكثر من هاتف.
يمكن أن يكون منظمًا.
ووسيلة للكتابة.
وأداة للاتصالات الرقمية.
وجهازًا بشاشة تفاعلية.
هذه الأفكار أصبحت لاحقًا أساس صناعة تقدر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات.
لذلك ربما يكون الوصف الأدق:
فشل Simon في السوق، لكنه نجح في تقديم لمحة مبكرة عن المستقبل.
«اقرأ أيضًا»
الخلاصة.. هاتف من 1994 تنبأ بالمستقبل
في المرة القادمة التي تمسك فيها هاتفك وتفتح تطبيقًا بلمسة واحدة، تذكر أن جذور هذه الفكرة تعود إلى زمن أقدم مما يتوقع كثيرون.
لم تكن أبل.
ولم تكن سامسونغ.
كان هناك جهاز ضخم يزن قرابة نصف كيلوغرام، بطاريته محدودة وسعره مرتفع، لكنه حمل فكرة جريئة:
ماذا لو أصبح الهاتف كمبيوترًا شخصيًا صغيرًا نحمله معنا؟
كان اسمه:
IBM Simon Personal Communicator.
لم يصبح الجهاز الأكثر مبيعًا في العالم، وربما لا يعرف اسمه معظم مستخدمي الهواتف اليوم.
لكن أهميته لا تقاس بعدد الأجهزة التي باعها.
بل بالفكرة التي جسدها.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أصبحت تلك الفكرة شيئًا لا يكاد معظمنا يستطيع الاستغناء عنه:
الهاتف الذكي.
«مصادر موثوقة»
- مجلة TIME: قصة IBM Simon وأبرز مواصفاته
- Apple: الإعلان الرسمي عن أول iPhone عام 2007
- متحف تاريخ الحاسوب: تاريخ تطور الحوسبة

